عبد الملك الجويني

437

نهاية المطلب في دراية المذهب

ثلاثة أيام ، فإن زاد ، فهو مقيم في حاله ، لا خلاف على المذهب فيه ؛ إذ لا شغل يَحْمل عليه قصدَ الإقامة ، ومقام ذلك مقام عذر ( 1 ) ، وتجريد القصد في الإقامة فوق الثلاث يقطع السفرَ . وإن كان شغلٌ ، انقسم إلى ما لا يدري أنه متى ينتجز ، وإلى ما يدري أنه سيتمادى : فأما ما لا يدري مدتَه ، فإذا وقع التعريج ( 2 ) بسببه ، والقصدُ متردد على حسب الشغل ، فلا يمتنع القصر في الأيام الثلاثة وفاقاً ، والزائد عليه ينقسم إلى الغزو وغيره ، وقد مضى النص وتصرف الأصحاب ، ونحن نحتاج اليوم إلى فَرْقَين : أحدهما - بين ما لو نوى الإقامة من غير شغل ، وبين هذا ، وحاصله أن الذي لا شاغل له له قصدٌ مجرد في مناقضة السفر ، فلم يُحتمل ذلك في أكثر من الثلاث ، والذي عنّ له شغل وُجِد في قصده ضَعْفان : أحدهما - أنه مربوط بسببٍ وعذر ، والثاني - أنه مردَّد لا جزم فيه ، وفيه سرّ وهو أن الأسفار لا تُعنى لأعيانها ، وإنما تحتمل مقاساتها لأوطارٍ وأشغال ، وقد يتفق مثل ما ذكرناه كثيراً في الأسفار . والفرق الثاني - بين القتال وغيره من المهمات ، وذلك من طريق المعنى ، فنقول : أولاً [ القتالُ ] ( 3 ) يُثبت في الصلاة تخفيفاتٍ ورخصاً ، ستأتي مشروحة في صلاة الخوف ، كصلاة ذات الرقاع ، وصلاة شدة الخوف ، وغيرهما ، مما سيأتي إن شاء الله . والآخر ( 4 ) أن القتال ينتهي إلى مبلغ لا يجوز الانكفاف ، فيسقط فيه أثر قصد الإقامة ؛ فإن الشرع جازمٌ أمره بالإقامة ، وسائر الحاجات قد لا تكون كذلك . فهذا إذا كان قصد المسافر متعلقاً بشغله متردداً تردده .

--> ( 1 ) كذا في النسخ الثلاث ، وزاد الأصل شدة فوق الذال . ولعلها محرفة عن ( عَدْن ) من عدن بالمكان عَدْنا إذا أقام به ( المعجم ) . وتكون العبارة : " ومقام ذلك مقام عَدْن " أي إقامة قاطعة للسفر . والله أعلم . ( 2 ) التعريج : الإقامة . ( 3 ) في ( ت 1 ) : الطريق يثبت . . إلخ ، وهي ساقطة من ( د 1 ) ، ( ط ) ، والمثبت تقديرٌ منا وقد صدقتنا ( ل ) . ( 4 ) ( والآخر ) بمعنى : وثانياً ، معطوفة على قوله : نقول : أولاً القتال يثبت . . . إلخ .